ابن قيم الجوزية

441

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل الرافعة رؤوسها انتهى . فإن قيل : فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والايمان . قيل : أحسن وجه وأبينه . فإن الغل إذا كان في العنق واليد . مجموعة إليها منع اليد عن التصرف والبطش . فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن منع الرأس من تصويبه . وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبه ، لا تستطيع له حركة ، ثم أكد هذا المعنى والحبس قوله : [ سورة يس ( 36 ) : آية 9 ] وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 ) قال ابن عباس : منعهم عن الهدى لما سبق في علمه والسد الذي جعل من بين أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى . فأخبر سبحانه عن الموانع التي منعهم بها من الايمان ، عقوبة لهم ، ومثلها بأحسن تمثيل وأبلغه وذلك حال يوم قد وضعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم ، وضمت أيديهم إليها وجعلوا بين السدين ، لا يستطيعون النفوذ من بينها ، وأغشيت أبصارهم فهم لا يرون شيئا . وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق وتبين له ثم جحده وكفر به وعاداه أعظم معاداة وجدت هذا المثل مطابقة له أتم مطابقة ، وأنه قد حيل بينه وبين الإيمان كما بين هذا وبين التصرف . واللّه المستعان .